U3F1ZWV6ZTI1MDY1NjE2MTYxNzAyX0ZyZWUxNTgxMzU1ODEyMDEyOA==

عندما تكون الأنانية نافعة ! اليد الخفية لآدم سميث وموقف توماس شيلبي منها Invisible hand


 آخر تحديث: 2019/12/13
نظرية اليد الخفية تلك النظرية الشهيرة المطروحة من قِبَلِ أدم سميث الأب الروحي لعلم الإقتصاد المعاصر كما يَزْعَمُونْ، والتي تنص على أن الفعل الفردي الناشئ بهدف تحقيق مصلحة شخصية أو خاصة يساهم بشكل ما بالمصلحة العامة للمجتمع هذه هي اليد الخفية، لكن نحن نريد فهمها بشكل أوضح أوضح لا مفصل، قبل هذا في رأيكم ما شأن شخصية خيالية كتوماس شيلبي في هذه النظرية ؟



دعوني أقول أسلوب محاكاة، ماذا تعني هذه المحاكاة ؟ ببساطة تعني مشاهدة وتحليل تبعات أفعال شخصية توماس شيلبي من السلسلة البريطانية الشهيرة بيكي بلايندرز من وجهة نظر  إقتصادية، ومن ثم هذا التحليل سيَخْتَصّ بموضوع المقال اليد الخفية وعليه دعونا نتعرف على يد تومي شيلبي الخفية، لكن قبل ذلك سنبني هذه المحاكاة على ثلاث شروط رئيسة لتكون محاكاة مفهومة.

  •   الشرط الأول : أن توفر أعمال تومي الأنانية فرص عمل للأفراد المعوزين.
  •   الشرط الثاني : أن تكون أعمال تومي الملتوية في كنف سوق حرة مع تواجد المنافسين.
  •   الشرط الثالث : أن يكون تومي هو وأعماله القذرة ضد الحكوميين.

الإستهلال بالشرط الأول :

قلنا أن على أعمال تومي الأنانية توفير فرص عمل، إذاً يجب على هذا العمل أن يكون ذا قيمة أو بالأحرى ذو فائدة على المجتمع لضمان صحة نظرية اليد الخفية والمحاكاة الخاصة بنا، فتلاعبه بالرهانات وتجارته للخمر الفاخر وأمواله المغسولة في المنشأت الصناعية كلها توفر فرص عمل للمعوزين المتواجدين في مدينة برمنجهام.



للعمل عدة مفاهيم وكل مفهوم متعلق بشكل كبير بالرأي الشخصي للمفكر الطارح له لذا سنكتفي بذكر تعريفين أحدهما لآدم سميث والأخر  لابن خلدون . .

آدم سميث إعتبر العمل مصدر من مصادر الثروة . . قائلاً :  العمل السنوي الذي يقوم به كل شعب هو الرصيد الذي يمده بكافة ضروريات الحياة وكمالياتها مما يستهلكه كل سنة، وتتكون دائما إما من النتاج المباشر لذلك العمل أو مما يشتريه ذلك الناتج من الخارج

ابن خلدون في مقدمته الشهيرة . . قائلاً : أعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الاقتناء والقصد في التحصيل فلا بد في الرزق من  سعي وعمل ولو في تناوله واقتنائه . . . فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول

ومن هذا المنطلق نخرج بمعرفة بسيطة والمعنية في أن العمل البشري المبذول سواء كان فكري أو عضلي هو أساس الثروة الحقيقية للمجتمع لا قوى الطبيعة كما كان سائد في الفكر الاقتصادي السابق، تومي مبروك ! أعمالك الأنانية ذات نفع.

التوسط بالشرط الثاني :

 أن تكون أعمال تومي في كنف سوق حرة مع تواجد المنافسين، لما يجب تحقيق هذا الشرط؟  السوق الحرة تعني السوق التي تتم فيها عمليات التبادل التجارية الإختيارية بدون قيود ولا عوائق وغالباً ماتكون في ظل النظام الرأسمالي وعليه أقول بأن تواجد السوق الحرة هو الحافز الأساسي لقيام اليد الخفية.


إذن تومي وأعماله في بريطانيا تحديداً في مدينة برمنجهام تحت ظل سوق حرة فالواقع الإقتصادي في تلك الفترة أي بعد الحرب العالمية الأولى كان رأسمالي بحت لكن مع تواجد بعض المعترضين من أتباع ذلك الملتحي، الأن لنتجه إلى المنافسين لدينا بيلي كيمبر  وبعض الرأسماليين وأهمهم الأسطورة ألفي سلمون عدو ومنافس تومي الوفي من ناحية كل الأعمال القذرة والنابعة من حب وتوق لإدراك أعلى مرتبات التفوق وتحقيق الذات.
ملاحظات الخباش : ذلك الملتحي أقصد به كارل ماركس تعجبني لحيته توحي بشيء من الخبرة الحياتية والهيبة والحكمة.

السوق الحرة موجودة وبالتالي فهوس تحقيق المنفعة الشخصية موجود وهنا يظهر لنا مفهوم اليد الخفية وفوائده الناتجة، وفي ظل هذا الهوس يتواجد مهووسين وبالتالي متنافسين وكل منهم يطمح للتفوق على الأخر وبالتالي هل  يمكننا استحضار أن للمنافسة فائدة ؟ نعم يمكننا استحضار هذا بل وأكثر! فاللمنافسة فائدة بالغة الأهمية فهي تحمي المستهلك أو الزبون من جهة ومن جهة أخرى تحمي العامل أو الموظف.

المنافسة تحمي المستهلك 

المنافسة هي التي تنظم عمل تومي شيلبي ومنافسيه حيث تضمن أن يبذل تومي أقصى ما بوسعه لتوفير السلع والخدمات للمستلهكين بالجودة التي يتوقعونها وبأقل الأسعار الممكنة، في السوق الحرة الأولوية للمستهلك وله مطلق الحرية والسلطة لإختيار  المكان الذي يشتري منه سلعه وخدماته، الأمر الذي يفرض على تومي محاولات عدة من أجل كسب رضا هذا الزبون على الدوام.

تجري العملية التنافسية من خلال التقليد والإبتكار تومي على الأرجح مقلد محتال، لكن يوجد رواد أعمال فطنين يعاينون أوضاع السوق للتوصل إلى أفكار سلع وخدمات جديدة قد تكون إبتكارات عظيمة، منتجات جديدة كلياً، أو إبتكارات محدودة كالتحسين من منتج ما سواء عن طريق اضفاء ميزات جديدة عليه أو تيسير عملية توزيعه.

ملاحظات الخباش : تيسير عملية التوزيع قد تكون في حد ذاتها إبتكار عظيم.

ولا يمكن للفائدة أن تتمحور على هذا فقط فعندما يتوصل أحد رواد الأعمال المبدعين إلى إبتكار جديد يتمكن من تحقيق أرباح مرتفعة وعندما يرى المنافسين هذا النجاح فيبدأون في تقليده وفي الوقت نفسه تحسينه وإضفاء ميزات جديدة عليه، فعالم الأعمال التجارية كما هو معروف لايتوقف أبداً، فحتى أرقى شركات الأعمال تبحث دوماً عن طرق جديدة للمحافظة على تفوقها ومكانتها السوقية.

فتزداد جودة السلع والخدمات وتنخفض الأسعار وبهذا يكون المستفيد النهائي من كل هذه الأعمال هو العميل نفسه.

" ومن أجمل مافي إقتصاد السوق أنه يكبح جماح بعض الأنانيين والطموحين والموهوبين في المجتمع ويجعل من مصلحتهم المباشرة أن يحرصوا دائماً على إرضاء الاخرين"

المنافسة تحمي العُمَّال

تحميهم من الأجور التعسفية الزهيدة، لكن يوجد بعض الإستثناءات، بعض العمال وفي ظل أوضاعهم ومشاكلهم الخانقة يقبلون بمثل هذه الأجور الزهيدة ./الصين كنموذج وبعض بلدان العالم الثالث/ لكن دعونا من هذه الإستثناءات و لنذهب للطبيعيات ففي أجواء هذه المنافسة لا يمكن لأرباب العمل ومن بينهم تومي منع بعضهم البعض من عرض أجور ورواتب أعلى على العمال.

إذاً هذه المنافسة تساهم في ضمان حق الأجير وأن لا يتقاضى أقل من خدماته، لكن هنالك شيء مثير يتمثل في معرفة ما إن كان العامل يتقاضى أجراً عادلاً أم لا، الأمر يتعلق بإسهامه الفعلي في العمل فبعض العمال ذو إنتاجية أكبر من نظرائه ومن هذا تواجد لنا معنى حساب الإنتاجية الحدية للعامل الجديد.

الإنتاجية الحدية هي المقارنة بين إجمالي إنتاج الشركة قبل توظيف هذا العامل الجديد وإجمالي إنتاجها بعد توظيف هذا العامل، ثم يستخدم رب العمل هذه المعلومات لحساب مقدار العائد الإضافي الذي سيجنيه من وراء الإنتاج الإضافي والنتيجة ستشكل حد أقصى لما يمكن أن يدفعه رب العمل للعامل الجديد، إسمحوا لي أن أهنئ تومي! تومي مبروك أعمالك الملتوية أقل مايقال عنها ناجعة.


الإختتام بالشرط الثالث :


أن يكون تومي هو وأعماله القذرة ضد الحكوميين، تومي ضد ذلك المدعو المراقب كامبل <على الهامش هذه الشخصية جد غثيثة على الأقل بالنسبة لي فقط > عموماً هذا المراقب مزعج بكل ماتعنيه الكلمة لكن سأكون صريح فهذا المراقب له وجهة نظر جد منطقية! فأعمال تومي حتى وإن كانت مفيدة للمجتمع ككل لكنها قذرة وتسببت في العديدة من القتلى والجرحى وحروب العصابات اللعينة وما إلى ذلك.
عموماً في أحد لقاءات تومي مع هذا المراقب قال له تومي الأتي:
أنا رجل أعمال وأريد أن تكون أعمالي ناجحة . .  لنعقد صفقة . . أنت ومخبريك ستغضون النظر عن أعمالي من الان فصاعداً، لن يكون هناك المزيد من الهجوم على مقراتنا ولا تكسير للحانات ولا ملاحقة لجماعتي من المهربين، تغضون النظر عن كل عملياتي في القمار . . مقابل ماتبحث عنه . . أنا رجل عادل إنه عرض عادل

ملاحظات الخباش : تومي على معرفة بأساليب التفويض الفعالة ويمتلك هيبة تميزه عن غيره ,أحياناً أشعر أن كاتب السيناريو قارئ لكتاب سيكولوجية الجماهير طبق خاصية الهيبة الشخصية على تومي بكل حذافيرها.
/تومي منزعج من هذا المراقب ومن يده الحكومية التي تتدخل في شؤون أعماله/ 


اليد الخفية أحد أهم دعائم الرأسمالية ودحضها يعني سقوط واحدة من أهم أساستها وأعمدتها، سيكون مهلك بدرجة عظيمة لهذا الإقتصاد الحر، كما نقول في الجزائر /راح تروح فيها/، فهي لا تعني أن المصلحة الشخصية تساهم في المصلحة العامة فقط، بل لها أبعاد أوسع من ذلك فهي قائمة على فكرة أن الاقتصاد له المقدرة على موازنة نفسه بنفسه دون الحاجة إلى أي تدخل حكومي الأمر الذي يجعل آليات العرض والطلب هي المسير الوحيد للسوق. 

مثال : في حالة زيادة الطلب على الدجاج بسبب عامل ما ولنقل /شهر رمضان المبارك/ يرتفع سعره، هنا تعمل اليد الخفية فتنعكس الاوضاع فيقل الطلب عليه ويتجه المستهلكون إلى البدائل كاللحوم والأسماك، بما يؤدي إلى تراجع سعر الدجاج وزيادة سعر اللحوم والأسماك، وهكذا دواليك.

ملاحظات الخباش : البوراك أفضل شيء في رمضان.


هذه الفكرة بدت للعديد من الخبراء الاقتصاديين فكرة سيئة وغريبة، فأحداث الكساد العظيم عام 1929 دالة على عدم صحة هذه الفكرة حتى تومي عانى بسببها وتكبد خسائر هائلة، فهذه الازمة العظيمة لم تُحَلْ إلى بفضل أفكار اللورد كينز رائد الرأسمالية المتفائلة الذي يدعو إلى ضرورة تدخل الدولة بالقدر الذي يوازن السوق، <هذا الموضوع يلزمنا مقال منفصل خاص به>.

في الختام سأقول أن اليد الخفية نافعة وضارة في أن واحد، حتى إن تم نبذ معناها المتعلق بعدم تدخل الدولة في السوق فسيبقى المعنى الخاص بمنفعتها العامة قائم وهو واقع، ومن هذا المنطلق سأندد بالأتي : " يا قارئ تبصر في الأنانية ".


إذا أعجبك المقال وتريد دعمي يمكنك دعمي بالأتي، نشرك للمقال واشتراكك في القائمة البريدية للمدونة وملحظاتك المفيدة، كان معكم محمد منير بوجادي، دُمْتُمْ في أمان الله وحفظه.



مصادر الخباش :
إيمون باتلر ,من سلسلة مقدمات موجزة /ادم سميث/ترجمة علي الحارس ,هنداوي مصر الطبعة الأولى 2014 , ص ص 89 93.
الطيب داودي ,مجلة العلوم الإنسانية /جامعة محمد خيضر ولاية بسكرة بالجزائر العدد الثامن/,بحث بعنوان تقسيم العمل اليد الخفية والحافز الاقتصادي بين ابن خلدون و ادم سميث سنة 2005 : https://bit.ly/2KIhnn5
روبرت ميرفي , كتاب دروس مبسطة في الاقتصاد ,ترجمة رحاب صلاح الدين ,هندواي مصر الطبعة الأولى 2013 , ص ص 121 128.

حقوق الصور :
https://bit.ly/2KHIbUO
 Photo by jesse orrico on Unsplash
 https://bit.ly/2KWPlVl 


 







  







ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق